ماهو مفتاح النجاح في عصر الأتمتة؟


غريغ ساتيل

في العام 1900، كان هناك ثلاثون مليون مزارع يعملون في الولايات المتحدة. وبحلول عام 1990، انخفض هذا العدد إلى أقل من ثلاثة ملايين على الرغم من تضاعف عدد السكان أكثر من ثلاثة مرات. هذا الأمر أدى إلى فقدان 90٪ من العاملين في الزراعة الأميريكية لوظائفهم، ويرجع السبب بشكل أساسي إلى الأتمتة. ومع ذلك، ما زال القرن العشرين يعتبر حقبةً من حقب الازدهار غير المسبوق.

ومن المرجح أن نرى تحوّلاتٍ مماثلةً في العقود القادمة. فاليوم -تماماً كما حدث فيما مضى- سيتم الاستيلاء على وظائف الكثيرين من قبل الآلات، رغم أن العديد من وظائف المستقبل لم يتم اختراعها بعد. يثير هذا الأمر مخاوفاً لدى البعض وإثارةً للبعض الآخر، لذا علينا جميعاً أن نخطط لمستقبلٍ بالكاد نعرف ملامحه اليوم. إن ما يجري بهذا الشأن يُسبّب معضلةً لدى القادة. فمن الواضح أن أي مؤسسة لا تتبنى الأتمتة، لن تكون قادرةً على الاستمرار أكثر من كونها مؤسسة مبينة على مزارع ومحراث تجُرّهما الخيول. وفي نفس الوقت، يتعيّن على المدراء مواصلة تحفيز موظفيهم الذين يخافون من أن تحلَّ الروبوتات محلّ أماكنهم الوظيفية. كما سيتطلب عصر الأتمتة الحديث من القادة تحديد مصادر جديدة لخلق القيمة.

حدد مستوى أعلى للقيمة

من الممتع كتابة قوائم بأشياء كنا نعتقد أن الآلات لن تتمكن أبداً من القيام بها. فقد قيل أن البشر وحدهم يستطيعون التعرّف على الوجوه، ولعب الشطرنج، وقيادة السيارة، والقيام بالكثير من الأشياء الأخرى التي أصبحت مؤتمتة اليوم. ومع ذلك، وعلى الرغم من أنّ الآلات قد تولت بعض المهام، إلّا أنّها لم تحلّ محل البشر فعليّاً. ومع أن القوى العاملة تضاعفت مرتين منذ عام 1970، إلا أن البطالة لا تزال منخفضة إلى حدٍ ما، لا سيما بين أصحاب المستويات التعليمية الأعلى من التعليم الثانوي فقط. وفي الواقع، ارتفعت المشاركة الإجمالية للقوى العاملة بالنسبة للبالغين في سن العمل من حوالي 70% في العام 1970 إلى أكثر من 80% اليوم.

وعندما تصبح المهمة مؤتمتة، فإنّها إلى حدٍ كبير تتحول إلى سلعة أيضاً. ثم تصبح القيمة على مستوى أعلى مما كانت عليه عندما كان الناس مشغولين بالقيام بأشياء أكثر أساسية. فعلى سبيل المثال، لم تعد قيمة فروع المصارف تأتي من معالجة الودائع يدوياً، وإنما من حل مشاكل العملاء الأكثر تعقيداً، مثل توفير الرهون العقارية. وبنفس الطريقة، لا أحد يتصل بوكالة السفر لحجز رحلة بسيطة الآن. فنحن نتوقع شيئاً أكبر منهم، مثل تخطيط إجازة أحلامك. وأيضاً تنبع أهمية المساعدين الإداريين ليس من كونهم يتلقّون الأوامر ويعيدون كتابتها على الآلة الكاتبة فحسب، بل لأنهم يشرفون على وضع أولويات المهام في عصر اتسم بالكم الهائل من المعلومات.

لذا، فإن التحدي الأول لقادة الأعمال الذين يواجهون عصراً جديداً من الأتمتة هو ليس فقط الاكتفاء بمحاولة تخفيض التكاليف، ولكن أيضاً تحديد المجالات الكبيرة القادمة التي ستخلق قيمة لأعمالهم. إذ مازالت كيفية استخدام التكنولوجيا لتوسيع مهارات البشر بطرقٍ معينة غامضةً بالنسبة لنا اليوم، لكن هل ستكون كذلك بعد عقدٍ من الزمن؟، وكل من سيتمكن من تحديد تلك المجالات القيّمة أولاً، سيكون أول من يضع قدمه في هذه المنافسة.

ابتكر نماذجاً للأعمال

قد تكون “أمازون” الشركة المؤتمتة الأكثر نجاحاً في العالم. فكل شيءٍ من سلسلة التوريد إلى إدارة علاقات العملاء يتم تطويره من خلال استخدام البيانات الكبيرة والذكاء الاصطناعي. وقد اكتملت هيمنتها على الإنترنت عندما حققت خلال موسم عيد الميلاد الأخير حصةً سوقيّة ضخمة بنسبة 36.9٪ من المبيعات عبر الإنترنت.

لذا تفاجأ الكثير من الناس عندما أطلقت “أمازون” متجراً لبيع الكتب، ولكن كما أظهرت شركة “آبل” بنجاحها الكبير في عملية البيع بالتجزئة، فهناك ميزة كبيرة لمتاجر البيع التي تضمّ موظّفين متدربين جيداً. فهم يستطيعون الإجابة على الأسئلة، وتقديم المشورة، والتفاعل مع العملاء بطرقٍ لن تستطيع الآلة أبداً أن تفعلها.

لاحظ كذلك أن متاجر “آبل” و”أمازون” لا تشبه المحلاتٍ التجاريةً التقليديةً، فهي مؤتمتة إلى حدٍ كبير لتتوافق مع مقتضيات العصر الصناعي، مثل آلية سحب النقود وإلغاء ممرات التسوق. وهذا يسمح لموظفي المبيعات التركيز على خدمة العملاء بدلاً من إضاعة الوقت والطاقة في إدارة المعاملات.

أعد تصميم الوظائف

عندما ألقى المدراء التنفيذيون لشركة “زيروكس” نظرة خاطفة على الآلتو  The Alto،  وهو من أوائل الحواسيب الشخصية التي ألهمت ستيف جوبز لبناء ماكنتوش، لم يُثِر إعجابهم. حيث بدا لهم كآلة تعمل على أتمتة عمل السكرتارية، الأمر الذي لن يكون قيّماً بالنسبة لمدراءٍ تنفيذيين. يوجد اليوم عددٌ قليل أولئك الموظفين ممن يستطيعون العمل دون معالجة النصوص وجداول البيانات.

إننا نشهد بالفعل عمليةً مماثلةً لإعادة التصميم باستخدام تقنياتٍ ذكيةٍ اصطناعية. كما قال لي سكوت إكيرت Scott Eckert، الرئيس التنفيذي لشركة ريثينك روبوتيكس Rethink Robotics، التي تصنع روبوتات باكستر Baxter وسوير Sawyer المشهورة: “لقد رأينا في كثير من الحالات أنه ليست الإنتاجية وحدها التي تتحسن بشكلٍ كبير، وإنما يتم إعادة تصميم الوظائف بطريقةٍ تجعلها أكثر إثارةً للاهتمام ومجزية للموظف كذلك”. إذ تتحوّل الوظائف في المعمل من كونها مهاماً يدويةً إلى مهامٍ لتصميم عمل الروبوتات.

كما تعتقد ليندا تشين Lynda Chin، التي شاركت في تطوير نظام خبير السرطانات في مركز أندرسون للسرطانات MD Anderson والمدعوم من قبل آي بي إم واتسون IBM’s Watson، أن أتمتة المهام المعرفيّة في الطب يمكن أن تساعد الأطباء على التركيز أكثر على المرضى حيث تقول: “تخيل أنّه بدلاً من قضاء 12 دقيقة في البحث عن المعلومات وثلاثة دقائق فقط مع المريض، أن يكون باستطاعة الطبيب الاستعداد في ثلاث دقائق فقط لمقابلة المريض وقضاء 12 دقيقة معه”.

وتضيف “سيغيّر هذا كيفية تفاعل الأطباء مع المرضى. فعندما تكون كل المعرفة الطبيّة في العالم في متناول أيدي الأطباء، سيكون بمقدورهم تكريس المزيد من الطاقة العقليّة لفهم شخصية المريض، وليس تشخيصه طبّياً فحسب. وهذا سيساعدهم بدوره على أخذ نمط حياتهم، ووضعهم العائلي وعوامل أخرى بعين الاعتبار عند وصف العلاج لهم”.

الموارد البشريّة تصبح شحيحة

قبل الثورة الصناعية، كسب معظم الناس معيشتهم من خلال العمل البدني. ويعتبر العديد من التجار اليوم أن استخدام الآلات يُشكل تهديداً وبالفعل كان كذلك. فلم يعد هنالك الكثير من العمل للحدادين أو نساجي النول في هذه الأيام. وما لم يكن واضحاً في ذلك الوقت هو أن التصنيع سيخلق اقتصاداً معرفيّاً وطلباً على العمل المعرفيّ الأعلى أجراً.

إننا نشهد اليوم تحولاً مماثلاً من المهارات المعرفيّة إلى المهارات الاجتماعيّة. جميعنا يحمل حواسيبَ خارقةً في جيبه يمكنها الوصول إلى المعرفة الجماعية للعالم خلال لحظة. إذاً سيقل الطلب على مهاراتٍ كالقدرة على الاحتفاظ بالمعلومات أو التلاعب بالأرقام، في حين أن مهارات القدرة على التعاون، مع البشر والآلات ستكون الأكثر طلباً.

من الواضح تماماً، أنّه هناك بعض الأشياء التي لن تستطيع الآلات فعلها أبداً. فهي لن تستطيع أبداً أن تضرب الكرة في دوري بيسبول، أو أن تتأذى مشاعرها، أو أن تقلق حول أداء أطفالها في المدرسة. هذه القيود تعني أنها لن تكون قادرة أبداً على تبادل الخبرات الإنسانية أو إظهار التعاطف الحقيقي. لذا، سنحتاج البشر للتعاون مع البشر الآخرين دوماً.

وكما قال لي المتنبئ بالمستقبل الدكتور جيمس كانتون James Canton: “إنّها إلى حدٍ كبير مسألة تطوّر مشترك. فمع انخفاض قيمة التشغيل الآلي في بعض الأنشطة وزيادة قيمتها في البعض الآخر، فإننا نقوم بإعادة تصميم عمليات العمل لدينا بحيث يركّز الناس على المجالات التي يمكنهم تقديم أكبر قيمة فيها بالتشارك مع الآلات لتصبح أكثر إنتاجيّة “.

وبالتالي فإن مفتاح النجاح في عصر الأتمتة، الذي تقوم الروبوتات فيه بمهامٍ كان البشر يؤدّونها في السابق، لا يكمن في زيادة الكفاءة فحسب، بل في استكشاف وتحديد كيفية خلق الطلب على وظائف جديدة تحتاج من يقوم بها من خلال زيادة الكفاءة.

تنويه: نشرت هذه المقالة ضمن اتفاقية إعادة النشر باللغة العربية الموقعة بين موقع الاقتصادي.كوم وهارفارد بزنس ريفيو العربية لنشر مقالات من هارفارد بزنس ريفيو، وتمت ترجمتها في قسم التعريب والترجمة في هيكل ميديا، إن النسخ وإعادة النشر بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ – 2017.

أضف تعليقك

error: المحتوى محمي , لفتح الرابط في تاب جديد الرجاء الضغط عليه مع زر COMMAND أو CTRL